الشيخ عبد الغني النابلسي
147
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
( وانبهم ) ، أي انكتم غاية الانكتام . ( فمنا ) ، أي من بعضنا معاشر أهل اللّه ( من جهل ) ، أي تحقق بالجهل ( في ) عين ( علمه ) باللّه تعالى حيث كان علمه غير كاشف عن الأمر على ما هو عليه بالنسبة إلى الحق تعالى ، وإن كان كاشفا عن الأمر على ما هو عليه ، بالنسبة إليه هو كما قال تعالى في علمنا الحادث به ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [ البقرة : 216 ] ، فنفى علمنا به أن يكون علما فكان جهلا مع أنه تعالى قال في موضع آخر عن بعض العلماء به . . . وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [ الكهف : 65 ] فأثبت ما نفى وهو عين علمه أثبته له هناك ، ولهذا قال صاحب هذا المقام « ما علمي وعلمك في علم اللّه إلا كما أخذ بمنقاره هذا العصفور من ماء البحر » « 1 » والذي في منقار العصفور من تلك القطرات اكتسب صورة باطن المنقار ، فخرجت عن كونها ماء في البحر ، إذ أصلها لا صورة لها ، ولم تخرج عن كونها ماء ، فالعبد يعلم ولا يعلم ، فانقلاب العلم عين الجهل باعتبار ظهور الصورة ولا صورة في العلم ، فالعلم علم وليس بجهل . ( فقال ) : يعني ذلك الجاهل في عين علمه ( العجز ) المحقق عند العبد ذوقا كعجز من توجه على صعود السماء وباشر الأسباب التي توهم إمكان الصعود بها فلم يقدر ( عن درك ) بالتحريك ، أي تبعه ( الإدراك ) ، أي الإحاطة بالحق تعالى يقال : عجز عن درك هذا البيع إذا لم يقدر أن يضمن تبعته ، وعجز عن درك الإدراك إذا لم يقدر أن يضمن تبعة صحة الإدراك ، لأن النفوس تزعم الإدراك وقل أن تعجز عن تبعة صحته ، فإذا عجزت يقال : عجز عن درك الإدراك حيث لم يقدر عليه ( إدراك ) للحق تعالى ، أي إحاطة به . وهذا الكلام منقول عن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه لما سئل بماذا عرفت ربك فقال : « عرفت ربي بربي » . ثم قال : « العجز عن درك الإدراك إدراك » . قال تعالى : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا [ آل عمران : 7 ] ، فعلمهم الذي رسخوا فيه عجزهم عن المعرفة بدليل قولهم آمنا به كل من عند ربنا ( ومنا ) ، أي من بعضنا عطف على ما قبله ( من علم ) في علمه ولم يجهل في عين علمه كالقسم الأوّل ( فلم يقل مثل هذا القول ) يعني العجز عن درك الإدراك أدرك ( بل أعطاه العلم ) باللّه تعالى ( السكوت ) عن نفي علمه والحكم بأنه جهل ، أو إثباته علما باللّه تعالى على حسب استعداد العالم وما يليق بالمعلوم ( كما ) ، أي الذي ( أعطاه العجز ) في القسم الأوّل من السكوت عن نفي ما علمه عنه تعالى أو إثباته .
--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .